ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

نمر النمر وعبدالهادي الخواجة: الحقّ المتساوي في إسقـاط الطّغاة

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
نادر المتروك
نادر المتروك
الإثنين 16 كانون الأول 2024
الخط


في عام 2015 أُقيمت ندوة حول «الربيع العربي» في العاصمة اللّبنانية بيروت، وكنتُ وقتها مضطّراً إلى الحديث عن الرّبيع الخليجيّ الذي شملَ البحرين والسّعودية تحديداً، وقد باتَ - في حينه - حراكُ هذه المنطقة مزعجاً لغالبية الأطراف الفاعلة في الإقليم. في تلك النّدوة، وبسبب حساسيّة الجهة المستضيفة؛ لم يكن يُتاح قوْل الكثير في شأن السّعودية وسوريا، حيث كان المتحدّث السّوري في النّدوة على مبْعَدة من الثّورة، وما كان الجوّ منفحتاً على الحراك المطلبي الذي قاده الشّيخ نمر النمر في المنطقة الشّرقيّة. إنّما جادلتُ في مداخلتي بأنّ النّمر مثّلَ الوضعَ المأمول للمقترح الثّوري آنذاك، حيث تخلّى الرّجلُ – جزئيّاً على الأقل – عن تقاليد الانتماء الأيديولوجي، وشيّدَ، في المقابل، موقفه النقدي تجاه آل سعود انطلاقاً من قاعدة حقوق الإنسان، بما هي منظومة متعالية على صفقات السّياسة وميزان المصالح الصّغيرة أو الكبيرة، أي إنّ النّمر كان معنيّاً بسياقه المحلّي من جهة، والانسجام مع تفعيل الحرّية غير المجزأ من جهةٍ أخرى. هذا الأمر خوّل النّمر، إلى حدودٍ كبيرة، أنْ يكون الأكثر مصداقيّة، وربما أخلاقيّةً، في حراك الخليج قاطبةً، ومن منظور مواصفات الدّاعية غير المهادن في نضال حقوق الإنسان. أمّا الدّليل الملموس – والذي تعرّض لبعض الطّمس والتّغييب -- فهو أنّ النّمر أسقطَ لعبة «الاستثناء المتّصل والمنقطع» وهو يسجّل نقدَه للاستبداد والمستبدّين، ومن غير أن يلتبسَ بإكراهات المحاور، وبالتالي الابتلاء بالخطابات المزدوجة التي تحفر تجارب المعارضين في الجوار. حصلَ ذلك عندما أطلقَ النّمر خطابه العلني المعروف الذي دعا فيه إلى «إسقاط آل سعود، وآل خليفة، وآل الأسد»، وبتساوٍ خطابيّ شديد المراس، وقلّ نظيره في ذلك الوقت.

وليد المعلم: دخول قوات «درع الجزيرة» مشروع
في البحرين، عبّر التيارُ الحقوقي الثّوري عن هذا المنحى الناشئ، خلافاً للتيار السّياسيّ المعارض الذي يُقال، اليوم، إنّه في طوْر خوْض مراجعاتٍ داخليّة، رغم انخفاض التّفاؤل من جديّة هذا الافتراض أو المخاضات التي ستتولّد عنه. لم تتنبّه قوى المعارضة في البحرين، على مدى عقود ماضية، لضرورةِ إشغالِ وتشغيل «مناطق حرّة ومبكّرة» للنقد الذّاتي، داخل بُناها التّنظيميّة، وفي محيطها الشّعبي الحاضن، وأنْ تُعوّل في ذلك على التقاطها العلمي والمجرّد للعوامل الداخليّة التي تُشرِّع هذا الاستشعار النقديّ وتعتبره ضرورةً مضافة إلى معنى النّضال وقوّة الحضور العام. كان منتظراً من أطيافِ المعارضة – منذ السّبعينيات حتّى اليوم - أن تفعل ذلك، في ملفّاتٍ عدة، ومنها ملف نظام الأسد الذي تعرفه عن قُرب، ولا تخفى عليها الأفعالُ المشينة واللّزجة التي تلبّسَ بها. في 20 آذار/ مارس 2011، فوجئ الجميع بتصريح وليد المعلم، وزير الخارجية السّوري الأسبق، الذي شرّعَ فيه دخول قوّات «درع الجزيرة» إلى البحرين لقمع الثورة التي اندلعت قبل شهر، واعتبرَ المعلم وجود القوات قانونيّاً ما دامت تنال موافقة الحكومة والاتفاق الخليجي المشترك في هذا الخصوص. كان يمكن أن يفضي هذا التّصريح إلى إرباكات محبوسةٍ لدى المعارضة، وربّما إلى مآلات غير معلومة، إلا أنّ المعارضة تخلّصت بسرعةٍ من عبء نقد النظام الأسدي، إذ تبدّلت الأحوال ومواقع «الرّجال» عندما وَجد الأسد نفسه أمام ثورةٍ حظيت، من غير أن يفقدها ذلك مشروعيّتها الأوليّة، بدعم أنظمةِ القمع في الخليج.

الخواجة: الحقوق في الواقع الملتهب
في السّياق الزّمني المتغيّر الذي انطلقَ في عام 2011؛ وجدت المعارضة السّياسيّة نفسها – وبإقرارٍ من قياداتها – في حالٍ من الاندماج المتتالي – وما يُشبه التّحالف - مع مصفوفة المحاور المرجعيّة التي طَبَعت وجهة الحراك المعارض في البحرين والخليج. تمايزاً عن ذلك، اجتهد التّيار الحقوقيّ، الثّوري على وجه الخصوص، أنْ يضعَ خطوطاً فاصلة عن تلك الدّوائر الكبرى، من غير الانقضاض – بطبيعة الحال – على مقتضيات التّوافق معها في بعض الملفات، فضلاً عن مراعاة هذا التيّار لموازين القوى الأيديولوجيّة التي سيطرت على الحركةِ المعارضة، وهيمنت فيما بعد على ثورة 14 شباط/ فبراير.
بمستوياتٍ جديرة بالدّرس، نجحَ المنظّر الأبرز لهذا التيار في البحرين، الحقوقيّ المعتقل عبدالهادي الخواجة، في صياغةِ المقاربة الأكثر تجلّياً للمسار الحقوقيّ الذي مارَسه - من دون انقطاع - الشّيخ النّمر حتّى إعدامه في كانون الثاني/ يناير 2016، واستعانَ الخواجة في ذلك بمسندين متداخلين، الأوّل نضاله الحقوقي غير المهادِن، وبما يتجاوز حدود البحرين، والثّاني فعله المباشر على الأرض، عبر جهده واجتهاده في تحريك النّضال الحقوقيّ على الواقع الملتهب، وإنشاء حاملات شبابيّة وشعبيّة تعاني القمع والتّمييز والفقر، والانطلاق معها لوضْع تعريفات عمليّة للحقوق الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وإسقاط المحرّمات المصطنعة التي تصادر الحقوقَ (محرّم التّظاهر في العاصمة، والاعتصام في محيط قصور الحاكم وعائلته)، ما شكّلَ المدخلَ المفتوح على حقوق العدالة والمساواة والمشاركة في المحاسبة والحكم.
ارتسم عند هذا الملمح العمليّ التّشابه بين الخواجة والنّمر، ولكن التّحدّي الأكثر إثارةً في هذا التلاقي تركّزَ في إمكانات ومُبْطِلات فضّ التّعقيد والاشتباك اللذين أحاطا الجميعَ حيال تقييم نظام حكم الأسد في سوريا، والإفصاح عن نوع الموقف ممّا تلطّخ به من استبدادٍ وفساد، وعلى مدى عقود طويلة. بالنسبة إلى مدرسة الحقوق الثّوريّة، لا يتعلّق هذا التّحدي بما قد يبدو هوايةً عندها في تخطّي الحدود، وما هو معتاد، ولكن بمدى القدرة على البقاء في ساحةِ النّضال المحلّي، التي تزهو بقياداتٍ وتيارات ومجتمعات ذات طباع تُشبه ما لدى المحاور المرجعيّة الكبرى، وكيف تضمنُ (تلك المدرسة) ألا يكون هذا البقاء مشروطاً بتلك الطّباع وقوانينها وضروراتها. إذا كان الشّيخ النمر دفعَ ثمناً باهظاً لهذا الالتزام، وتجرّعَ حكمَ الإعدام الغادر، فإنّ الخواجة بدوره يقضي حكماً بالمؤبّد في البحرين، فيما يواصل نجاحه غير الهيّن في التغلّب على الموت البطيء داخل السّجون.

النمر والخواجة: التنديد بالأسد ليس كافياً
بالنسبة إلى النمر والخواجة، لم يكن التّنديد العلني بالنّظام الأسديّ في سوريا مجرّد تنويع في الخطاب الحقوقيّ، أو محاولة لسدّ المحاججات المتحفّزة من المناوئين المؤدلجين والخصوم الطارئين في الوقت الضّائع، ولكنّه كان بادرةً مبكّرة وجريئة لمحاولات بناء خطابٍ حقوقيّ له خصوصيّته المتمايزة، أي المستقلّة، ولكن من رحْم البيئةِ الدّينيّة المباشرة (النمر)، أو من ضفافها ومحيطها العميق (الخواجة). وإذا كان الأمر محفوفاً بشيءٍ من الارتكاز المرجعي لدى النّمر، وبقدرٍ واضح من المراجعة (وليس التّراجع عن هذا الارتكاز) في سيرة الخواجة، فإنّ التقاطع الحقوقيّ الذي أبرزته تجربة الرّجلين يُتيح الإمساك بمنطوق جديد – في حينه – لحقوق الإنسان، استطاعَ أن يُدرِك أنّ المنظومات الدّولية الرّاعية للحقوق «ليست كافية»، على ما يهجسُ صامويل موين وهو يشخّص «العالم غير العادل» المتواري خلف عولمة العدالة، ولكن النّمر – في المشهد السّعوديّ المعاصر – ظهرَ باعتباره داعية حقوق بامتياز، وأعني بذلك ما كتبتُه في البروفايل الذي نُشِرَ في مقدمة كتاب «مرافعة كرامة» الذي تضمّنَ مرافعة الشّيخ النمر في المحكمة ودفاعه التّاريخيّ عن نفسه ومواقفه الثّوريّة وعدم التّخلي عنها قيد أنملة. قلتُ، آنذاك، إنّ هذه «العمامة التي تنتمي إلى مدرسة «الرساليين» (التيّار الشّيرازي)، تجاوزت عدداً من الإرث القديم لهذه المدرسة، واستطاعَ أن يظهر بلغةٍ وطنية، وبمطالب تتجاوز الحدود المذهبية، وأكّد على حقوق الإنسان باعتبارها قيماً ثابتة»، وقد كان خطابه المتساوي ضدّ الطغاة، وبينهم الأسد، دليلاً دامغاً على ذلك.

المطلوب ليس في استعادةٍ تنطوي على التّباهي بأنّ «بيئة» النّمر كانت الأسبق في معارضةِ الأسد ونظامه، وبالتالي الوقوع في فخّ المغالبات الصّغيرة


من سوء حظ هذا الرّجل أنّ المعارضة، التي تبنّت تخوم مساره الثّوريّ، اضطرّت، لأسبابٍ قابلة للنّقاش، أن تُجمِّد هذا التّساوي الخطابي الذي وجّهه إلى الطّغاة العرب، ظنّاً منها أنّ هذا التّجميد (المرحلي) هو ما يُتيحه السّقفُ الممنوح في استعادةِ الشّيخ النّمر وتمثيله في الخطاب العام، إذ كان هذا السّقف مدعوماً بكتلةٍ صلبة من المصالح والتّكتيكيات والتي تفجّرت، فيما بعد، في وجه الجميع عندما سقطَ نظام الأسد.
لستُ أدري ما الذي تنفعه اليوم العودةُ إلى خطاب النّمر، غير أنّ المطلوب ليس في استعادةٍ تنطوي على التّباهي بأنّ «بيئة» النّمر كانت الأسبق في معارضةِ الأسد ونظامه، وبالتالي الوقوع في فخّ المغالبات الصّغيرة، بل الأرجح من ذلك هو استعادة الخطوط العريضة لمدرسة النّمر والخواجة، وبنهجها الحقوقيّ المتساوي الذي يعاند الهواجسَ والأنماطَ والضّوابط المتخيّلة، ولا سيما في سياق النّضال الوطني المحاط بصراعاتِ الخارج وتقاطُع الحدود والنّفوذ المتنافرة، وما يجلبه ذلك من «قلّة تفكير»، على ما يقول الصّديق بشّار اللّقيس، في بناء المعالجة المنتجة بين مقولتي «الحرّية والتحرُّر»، حيث الأسئلة التي تلقّت الإجابات الأسوأ حتّى الآن.

المعارضة والنأي عن الملف السّوري
كان من الطّبيعي أن يثير الملف السّوري جدالات حادة في مسار ثورة البحرين والحراك المطلبي في المنطقة الشرقية في السّعوديّة، ولكن القائمين على هذين المشهدين التزموا – إلى حدودٍ كبيرة – سياسة «النّأي» عن الخوض في دوائر الخلاف، ليس فقط التزاماً بعقيدة الانتماء إلى محتوى «التّعبئة» التي ضخّها المحورُ الداعم للمعارضة في البحرين والشرقيّة، ولكن أيضاً لأن مستوى «الحكمة» في ذلك الوقت كان يفوق «حماسة» إثارة التوترات الجانبيّة داخل كتل المعارضين. عدا ذلك، فإنّ سرعة دخول الثورة السّوريّة في السّياقات المعقّدة، ومن بوابة الانجرار إلى الخيار المسلّح، دفعَ الوسط العام المعارض في البحرين والشّرقية إلى إنهاء النّقاش حول موضوع النّظام السّوري والقائمين عليه، واعتباره ملفاً خارج التّداول العلني، وهذا في أحسن الأحوال التي تمّ التّسالم عليها. ولكن ذلك لم يمنع ناشطي التّيار الحقوقي الثّوري من المضي في قواعده المعروفة، رغم إعدام النّمر وسجن الخواجة، وظلّ هذا التّيار حريصاً على مواقفه الناقدة لنظام الأسد، كلّما ارتكبَ الأخير انتهاكاً أو مجزرة بحقّ السّوريين. تعرّض ناشطو هذا التيار لانتقادات من دوائرهم القريبة، كما أنّ غياب النمر والخواجة لم يسنح لنبيل رجب – رفيق درب الخواجة – أن يعوّض النّقص والفجوات المستجدّة، وخصوصاً مع المراجعات الذّاتيّة التي أقدمَ عليها رجب فيما بعد.
على منوال نتائج الحدّ الأدنى، وفي حدودٍ متناظرة مع الحالات الرّاهنة في الخليج، يُحسب للتّيار الحقوقيّ الثّوريّ قدرته على المضي في إرث الشّيخ النّمر وعبد الهادي الخواجة، وبينهم مثلاً النّاشط علي الدّبيسي، ولكن كان الإصرار الأكبر في ذلك من نصيب النّاشطة مريم الخواجة – ابنة عبد الهادي – التي حافظَت على روح هذا التيار، في كلّ مكان تتواجد فيه، ومواصلتها إرسال النّغمة التي أرساها النّمر والخواجة الأب، أملاً في الإبقاء على مصداقيّة النضال من أجل حقوق الإنسان، وتخفيف رهاناته الظّاهرة والكامنة بالتّحالفات ومصدر التّمويلات، مع التّأكيد على أنّ مطلب التحوّل الديموقراطي لا يجب أن يخضع للاستثناء أو التّفاوت على خلفيات طائفيّة أو سياسيّة أو غير ذلك. والأهم من ذلك، أن يُعلَن هذا الموقف وتلك الرّؤية، أي أن يُقال في قلبِ المشهد، وقبل انقلابه.
* كاتب بحريني

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك